مجموعة مؤلفين

28

نهج الحياة ( مجموعة بحوث ومقالات حول نهج البلاغه )

وتفرّق هذه اللّغات ، والألسن المختلفات . فالويل لمن أنكر المقدّر ، وجحد المدبّر ! زعموا أنّهم كالنّبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ، ولم يلجئوا إلى حجّة فيما ادّعوا ، ولا تحقيق لما أوعوا ، وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان ! « 4 » . ولو فكّروا في عظيم القدرة ، وجسيم النّعمة ، لرجعوا إلى الطّريق ، وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة ، والبصائر مدخولة ! ألا ينظرون إلى صغير ما خلق ، كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السّمع والبصر ، وسوّى له العظم والبشر ! انظروا إلى النّملة في صغر جثّتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، وصبّت على رزقها ، تنقل الحبّة إلى جحرها ، وتعدّها في مستقرّها . تجمع في حرّها لبردها ، وفي وردها لصدرها ، مكفول برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنّان ، ولا يحرمها الدّيّان ، ولو في الصّفا اليابس ، والحجر الجامس ! ولو فكّرت في مجاري أكلها ، في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرّأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا ! فتعالى الّذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ! لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر . ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ، ما دلّتك الدّلالة إلّا على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقيق تفصيل كلّ شيء ، وغامض اختلاف كلّ حيّ . وما الجليل واللّطيف ، والثّقيل والخفيف ، والقويّ والضّعيف ، في خلقه إلّا سواء . « 5 »

--> ( 4 ) ص 271 . ( 5 ) ص 270 و 271 .